ابن المقفع

23

آثار ابن المقفع

والعلم ، بحيث لا تحس إذا كنت معهم بمضي الوقت وانصرام النهار أو الليل ، ولا تشعر إلا وكأنك في عالم جديد . . تنازعته وتبسطت فيه عقول جبارة . . أخضعت الدهر لسلطانها . . فسار الدهر في سبيله وانتهى إلى غاياته وذهب لمآبه . . وبقيت هذه العقول حية تخضع الزمن لأرائها وتفكيرها في الاجتماع والسياسة والنقد والأدب . . ولقد بلغت هذه المجالس غاياتها في بغداد يوم كانت عاصمة الدولة العباسية وعاصمة العالم . . فكان الخلفاء في قصورهم وكان الأمراء والقواد والأغنياء يفعلون مثل ذلك في منازلهم ودورهم ، وقد حملت لنا كتب التاريخ والمحاضرات لمحا من هذه المجالس ، ومن يقرأ ما كتبه . . ( أبو حيان التوحيدي ) يدرك جلال هذه المجالس وعظيم خطرها وبعيد أثرها حتى ليخيل له ان بغداد في قرنها الرابع للهجرة . . لم تكن تقل عن باريس ولندن وبرلين أدبا وعلما وبحثا عن الأدب والعلم في القرن العشرين . . ومن المفروض ان تختلف هذه المجالس باختلاف أصحابها ، سواء أكانت في بغداد أم في باريس ، فمجالس الفقه والدين كان يقصدها الفقهاء والمتكلمون ، ومجالس الفلسفة كان يرتادها أتباع هذه النحلة وطلابها من المعتزلة وممن كانوا يقومون بترجمة الفلسفة اليونانية إلى العربية ، واما الشعراء فكانت لهم مجالس خاصة ، وكذلك القول في الأدباء والنقاد وعلماء اللغة ، حتى انتهت أكثر هذه العلوم إلى الجاحظ في بغداد ، فأصبح أمة وحده . . وكما كان الجاحظ يتنكر لزمنه ولا يرضى بحاله مع ما وصل اليه من زعامة الفكر في عصره ، كان ابن المقفع مثله انتقادا لعهده ، وانكارا للحالة في زمنه ، فمما يحكى عن ( الجاحظ ) ان أحدهم سأله عن حاله فقال له : - سألتني عن حالي فاسمعها واحدا واحدا ، حالي ان الوزير يتكلم برأيي ، ويعمل بأمري ، ويبعث الخليفة بالصلات إليّ ، وآكل من لحم الطير أسمنها ، وألبس من الثياب أفخرها ، وأجلس على اللين الطري ، وأتكىء على هذا الريش ، ثم أصبر على هذا حتى يأتي اللّه بالفرج . .